الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

بيير بابلو بازوليني حيث لا فرق بين السينما والحياة

الجمال يستدعي الرعب، وهذا المبدأ الذي يعمل عليه الرسام الإيطالي في صناعة الصورة، فالصدمة التي تعتلي المشاهد إثر ما يراه تستدعي حضوراً جديداً.

العرب عمّار المأمون [نُشر في 2014/05/31، العدد: 9575، ص(14)]

بازوليني عاشق لكرة القدم أثار الجدل في العالم ليقتله نكرة على الشاطئ

لا يوجد وصف مناسب للتعبير عن بازوليني، الشاعر والروائي والمخرج والرسّام والكاتب المسرحي، صحفي وناشط سياسي، ظاهرة فنيّة اكتسحت القرن العشرين، حياة شيقة مليئة بالمغامرات والفلسفة والمحرّمات، الإيطالي عمل مع أبرز نجوم السينما وشارك في أهم المهرجانات العالمية، لينتهي به الامر قتيلاً على الشاطئ بميتة أكثر غرابة من حياته و أعماله.

ولد بازوليني في بولغانا في إيطاليا، المدينة المشهورة بانتشار الفكر اليساري فيها والتي تعرضت للكثير من الدمار أثناء الحرب العالمية الثانية. عام 1922 أبصر بازوليني النور، في طفولته، تنقلت عائلته في أنحاء إيطاليا مما خلق لديه قلق الانتماء، بالإضافة إلى تأثير حالة عائلته المتردية عليه، فأبوه اعتقل بسبب ديون القمار ثم أفرج عنه لإنقاذه الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني من محاولة اغتيال، حينها انتقل مع أمه إلى بيت أهلها في منطقة فريولي وبعدها إلى روما.

في عمر السابعة بدأ كتابة الشعر، متأثراً بتجربة الفرنسي “الرجيم” آرثر رامبو ونتيجة الرحيل المتكرر لأسرته والوحدة التي عانى منها في طفولته لفقدانه أصدقائه، انكب على قراءة ديستيوفسكي وشيكسبير وتولستوي، رامياً وراءه كل التعاليم الدينية التي تربى عليها في طفولته.

كرة القدم والشعر

أحب بازوليني كرة القدم بالإضافة إلى عشقه للشعر وأسس مع أصحابه (أيرميس باريني، فرانكو فارلوفيو، إيلو ميلي ) جماعة مكرّسة للنقاشات الأدبية، وحين دخوله جامعة بولغانا اختص بالآداب وانفتح أمامه عالم جديد من الفيلولوجيا (علم تاريخ المصطلحات) وقوانين الجمال والفنون التشكيلية، بالرغم من محاباته في البداية للأنظمة الفاشية إلا أن رحلة قام بها إلى ألمانيا جعلته يميل نحو الشيوعية قائلاً: ” إن الشيوعية هي الطريقة الوحيدة لإبراز الثقافة الجديدة”، إلا انه يقول لاحقاً: “معظم ميولي الماركسية كان لها أساس غير عقلاني، وديني “، هو مليء بالتناقضات، وفي شبابه تنقل بين عدد من المهن حيث عمل في استوديو تصوير وعمل محررا وصحفيا إلا أن ميله نحو السينما بقي قائماً، وبعدها اُختير بازوليني للالتحاق بالخدمة العسكرية حيث أُسر ثم تمكن من الفرار والعودة إلى منزله. في 18 شباط 1945 أسس مع أصدقائه أكاديميّة لغة الفريولان وفي العام 1946 نشر مجموعته الشعرية الثانية بعنوان “المذكرات”.

عمل بازوليني في القسم الثقافي في الإذاعة الرسمية الإيطالية ونشر بعدها مجموعة شعرية وروايته الأولى (المشاغبون) التي لم تنل الترحيب الكافي من النقاد.

ثقافة بازوليني البصرية كانت شديدة الغنى، ففي الستينات في القرن الماضي سافر بين أرجاء العالم فزار السودان وكينيا وغانا ونيجيريا والأردن وفلسطين، وفي الأخيرة حقق فيلمه التسجيلي (مواقع الصيد في فلسطين) في العام 1965 وبعد سنة واحدة أصبح عضواً في لجنة تحكيم مهرجان برلين الدولي للسينما

الكثير من الدعاوى القضائية لاحقته بسبب سمعته، إلا أنه عام 1957 تمكن من العمل إلى جانب معلم السينما الإيطالية (فريدريكو فليني) في فيلم (ليالي كابيريا) حيث كتب الحوارات باللهجة الرومانية وعام 1960 كان أول ظهور سينمائي له كممثل في فيلم (أحدب روما) للمخرج الإيطالي كارلو ليزيني.

فيلمه الأول (Accattone )- 1961- الذي كتبه وأخرجه عن المناطق الرومانية الهامشية أثار الكثير من الجدل وبعد مشاركته مع المخرج الفرنسي (جان لوك غودار) في فيلم ( RoGoPaG)- 1963- تمت مقاضاته على أنه يهين الدولة الإيطالية.

ثقافة بازوليني البصرية غنية، ففي الستينات سافر كثيرا بين أرجاء العالم فزار السودان وكينيا وغانا ونيجيريا والأردن وفلسطين، وفي الأخيرة حقق فيلمه التسجيلي (مواقع الصيد في فلسطين)عام 1965، وفي العام التالي كان عضو تحكيم في مهرجان برلين الدولي للسينما، إذ أن شهرته كمخرج حينها قد تجاوزت حدود إيطاليا ليصل إلى العالمية كمخرج فذّ، ذو نظرة أًصيلة.

تأثر بازوليني بحركة الطلاب في الستينات والسبعينات، و الدعوات إلى التحرر وتغيير الأنظمة الدراسية والأكاديمية، فقد كانت حركات اليسار في أوجها وانتقلت أصداء ثورة السوربون (1968) إلى أنحاء أوروبا كلها، هذا ما اتضح لاحقاً في فيلمه (ثيورم – Theorem ) الذي يعتبر من تحف الواقعية الجديدة، حيث كان حضور الثورة فيه واضحاً بوصفها شخصاً غريباً يدخل ضمن عائلة برجوازية كمعادل عن السلطة المعرفية البرجوازية و مقولاتها. وفي هذا الفيلم اعتمد بازوليني على ممثلين محترفين ( بعكس الكثير من أفلامه الأخرى)، كما اتضحت علاقته مع اللغة واللسانيات، فعنوان الفيلم ذاته يعني (في الوقت نفسه) بالإضافة للمعاني المجازية التي يحملها الفيلم عبر الحوار، كما ترشح إلى (النمر الذهبي) في مهرجان البندقية السينمائي في ذات العام، وفي العام 1970 اشترى بازوليني قصراً قرب فيتيربو غربي إيطاليا، حيث بدأ بكتابة روايته الثانية والأخيرة و التي لم تكتمل بعنوان “بيتروليو”.

من شعر بازوليني
كان دمكَ أيها المسيح

قطرة ندى عارية

على وردة عذابكَ

وكنتَ ترانايا شاعراً مطمئناً

يا أخاً جريحاًبأجسادنا البهيّة

في أعشاش الخلود!

ثم متنا.فهل كانت قبضاتنا

ومساميركَ السوداءلتلمع

لو لم يكن غفرانكَ ينزل علينا

من نهار رأفتكَ اللانهائي؟

***

كم يصعب أن أعبّر بلغة الأبناء

عمّا يعتمل في قلبي ولا يشبهني

أنتِ الوحيدة في العالم التي تعرفين

حقيقة هذا القلب، قبل أي حبيب آخر

ولذا يجب أن أقول لكِ ما هو فظيع معرفته:

من لدن نعمتكِ يا أمّي تولد مخاوفي

لا بديل منكِ

وملعونةٌ هي الحياة التي أعطيتنيها

محكومٌ عليها بالوحدة.

لكني لا أريد أن أكون وحيداًجائعٌ إلى الحبّ أنا

إلى حبّ أجسادٍ من دون أرواحوجوعي بلا حدود

أما الروح فهي فيكِ،

الروح أنتوحبّكِ عبوديتي.

لقد أمضيتُ طفولتي عبداً

لهذا الحبّ الهائل، العالي، الذي لا شفاء منه

تلك كانت طريقي الوحيدة إلى الحياة

ولونها وشكلها الوحيدينكل هذا انتهى الآن

وبتنا نكتفي بالصمود في فوضى حياةٍ

ستولد من جديد خارج حدود العقل

أرجوكِ، آه، أرجوكِ: لا تنشدي الموت

بل دعيني أكون هنا، وحدي معكِ، في نيسانٍ آتٍ...

موت الظاهرة

الغرابة في حياة (بازوليني) طاردته حتى الموت، حيث تعرض للاغتيال من قبل شاب من قاع المجتمع في العام 1975 على أحد شواطئ (أوسيتيا) حيث استقل الشاب سيارة بازوليني الخاصة ودهسه بها عدة مرات، هذا الشاب ذو السبعة عشر عاماً تمت إدانته بالجريمة، لكن عام 2005 سحب اعترافه و قال إنه تعرض للضغط وأن من قتل المخرج الإيطالي ثلاثة من المتشددين الذين نعتوه “بالشيوعي القذر”، ليدفن في النهاية في كاسارسا.

السينما والنص

معظم الموضوعات التي استمدها بازوليني كانت من التاريخ ومن الكتب والمؤلفات السابقة، إذ يعيد قراءتها ويقدمها بلغة بصريّة متفردة، حيث أخرج وكتب فيلمه (الأناجيل برواية متى) في سنة 1964.

إثر قراءته للكتاب المقدس استبد به شعور عارم بضرورة صناعة فيلم عن الموضوع، و بالرغم من محاولاته أن يقدم صورة للمسيح من وجهة نظر مؤمن، إلا أن ميوله الشخصية تجاه الإلحاد كانت واضحة بصورة غير مباشرة، فهو يميل حسب قوله ” إلى التفكير الملحمي “و قد لجأ في هذا الفيلم إلى العناصر الغيبية وابتعد عن الطبيعية التي اتصف بها، إذ أراد “الحفاظ على الأشياء بصورتها الغيبية”.

أما في “ألف ليلة و ليلة ” فيعيد بازوليني تقديم القصة العربية الطويلة لكن هذه المرة دون أية هوادة، إذ الجميع يبحث عن فريسة للانقضاض عليها، الحب في أفلامه محرّك للإنسان، يحكم الشخصيات وسلوكها، يتبلور ذلك في علاقته مع المحرمات التي توجتّ برائعته (سالو أو 120 يوما في سادوم) -1975-، الفيلم المقتبس عن رواية للكاتب (ماركيز دي ساد)، الفرنسي المشهور، وقد صنفت مجلة التايم عام 2006 فيلم (سالو) ” بأكثر فيلم مثير للجدل على الإطلاق”، في هذا الفيلم يفتضح عالمه الداخلي، عالم مليء بالقسوة والضحك الهيستيري، مشاهد قاسية من التعذيب والممارسات التي تصل أحيانا أقصى الحدود استخدمها بازوليني، العبودية كانت السمة الواضحة والمسيطرة على شخوص الفيلم، إذ يستكشف العوالم المخفية في النفس الإنسانية.

الطبيعية وغياب فن التمثيل

يقول ” أنا لا أجري تمرينات، أصوّر حالاً”، يميل بازوليني إلى تصوير الواقع كما هو، لا إلى محاكاته، حيث يستند في أفلامه إلى الإضاءة الطبيعية وتفادي محاكاة الأفعال (حتى القاسية منها) إذ يبرزها كما هي، بالرغم من أنه عمل مع ممثلين محترفين كأورسون ويلز إلا أنه يعتمد في اختياره على الهواة وغير الممثلين فهو يختار الشخص، الممثل على ما هو عليه لا ما يمكن أن يمثله، معتمداً على الحس الطبيعي لدى الشخص وقدرته على التعبير عن ذاته وهذا ما يتطلب عيناً خبيرة وقدرة على تمييز الحالات الإنسانية واستخدامها سينمائيا، فهو يزوّد الممثل بملامح عامة عن الدور الذي عليه أن يلعبه، ثم يتركه يتصرف على سجيته، مبرزاً ما في ذاته من قدرات دفينة، مستدعياً شعرية نادرة، قائمة على الواقع وتركيبه بصورة بعيدة عن التكلف، صادمة، تعيد تحديد العلاقة بين المشاهد وما يراه ، بين الممثل وما يؤديه.

الجمال يستدعي الرعب، وهذا المبدأ الذي يعمل عليه بازوليني في صناعة الصورة، فالصدمة التي تعتلي المشاهد إثر ما يراه، تستدعي حضوراً جديداً، حضوراً لما هو مبعد ومهمش ودفين داخل النفس الإنسانية، المدرسة الطبيعية لا تعرف حدوداً، لا داعي للمؤثرات الخاصة إن كان هناك احتمال لتنفيذ الفعل، الممثل لديه استحضار لما هو غائب، قراءة جديدة للنفس، الجسد في سبيل إيصال المعنى، الحقيقة بسيطة، نحن محكومون بالشهوات والموت، الموت الذي يصفه بازوليني بقوله “ما أن تنتهي الحياة حتى تكسب عقلانيتها، قبل لحظة الموت هي لا عقلانية، مفصومة، لذلك تبقى غامضة”.

:: اقرأ أيضاً

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر