الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

سلام ثم سلام

مجتمعاتنا العربية ستكون في أفضل حال إذا ما خرج الناس من تحت مظلة الطائفية، ووقفوا تحت راية السلام. آمل ألا أكون متفائلة أكثر مما ينبغي.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/04/21، العدد: 10609، ص(21)]

أصبحت الحكايات التي كان يسردها لنا أجدادنا وآباؤنا ونقرأها في الكتب عن ثقافة التبادل الودي للتحية بين الناس والكياسة المهذبة في الخطاب اليومي بين أطياف المجتمع المختلفة والتسامح الاستثنائي بين الأديان عبارة عن قصص أسطورية، نذكرها لنتحسر على الماضي الجميل، عندما كان الناس لا يعبأون كثيرا بالهويات الدينية والطائفية لبعضهم، ومتحابين ومتحدين في السراء والضراء، ولكنهم الآن فقدوا الصديق والحبيب في ظل المناخات السياسية السائدة التي أصبحت تحرّض على الاقتتال والصراع الطائفي.

العرب والمسلمون كانوا عبر العصور قدوة لباقي شعوب العالم في التسامح بين الأديان والتعايش السلمي، إلا أن الصراعات الطائفية الملتهبة في المنطقة دقت اسفين التفرقة بينهم، فأصبحت بلدانهم مسرحا لمعارك دامية، ومحملة بالمشاكل وبالفقر والجريمة والفساد، وتبدو على غير هويتها التي عُرفت بها تاريخيا، فهل هذه علامةٌ على أن قيم الاعتدال والتسامح والوسطية تلاشت؟ آمل ألا يكون الأمر كذلك.

مناسبة هذا الاستذكار ما أغدق عليّ من تحيات وثناء وود من أشخاص لا يعرفونني ولا تربطني بهم أي صلة، غير أننا نشترك في العيش في مدينة واحدة، هي مثال للتنوع العرقي والديني والقومي بامتياز.

لقد استغل المارون إلى الملعب المجاور لمنزلي في مدينة تويكنهام بالعاصمة البريطانية لندن، فرصة مشاهدتي أعتني بحديقة منزلي الصغيرة في عطلة نهاية الاسبوع، فألقوا علي التحية أثناء الذهاب لتشجيع فريقهم المفضل للركبي، ولم يفكروا في ديانتي أو من أكون أو ما هي هويتي الطائفية، كانت إنسانيتي فوق كل تلك التقسيمات المفترضة.

ورغبة الناس هنا في الحفاظ على الانسجام في ما بينهم وتفادي الخلافات مع الآخرين واحترامهم، تتغلغل في كل درجات ومستويات حياتهم اليومية، ويعلمونها لأطفالهم منذ نعومة أظفارهم، ويمكن أن نعيش يوميا مواقف ترسخ لمنظومة هذه القيم، فقد أجبرت امرأة أطفالها على الوقوف أمامي وشكري عندما أفسحت لهم المجال ذات يوم للمرور قبلي في إحدى المغازات العامة، حتى تدربهم على احترام الآخر وتقديره، وتعلمهم مراعاة شعوره لا العداوة معه.

وأحيانا، تكون حركة المرور في العاصمة لندن خانقة وفظيعة، ومع ذلك لا أسمع أصوات منبهات السيارات، حتى في أوقات الذروة، التي تثير التذمر والاستياء، ولا يلوث سمعي بالسب أو الشتم الذي قد يتبادله السواق كما هو الشأن في بلداننا.

ومثل هذا الأمر أدهشني وجعلني أستوعب درسا في الكياسة والتهذيب، والمعاملة اللطيفة النقية، التي لم تلوثها الأحقاد الطائفية والعدوانية المبطنة في خطابات الناس اليومية.

ونتيجة لهذا الجو من الانسجام والاحترام المتبادل بين الناس هنا، وجدت نفسي جزءا من تلك التقاليد الاجتماعية مع من أعرفهم ولا أعرفهم، وأحيانا أقول كلمات من قبيل “شكرا” و“عفوا” و“رجاء” أكثر من المعتاد، وكلمة “عفوا” من أكثر الكلمات التي يتداولها البريطانيون العشرات من المرات يوميا.

ولم لا؟ أليس الأمر رائعا عندما لا يفسد الاختلاف بين الناس الود الذي بينهم، ماداموا يتقاسمون العيش في مكان واحد، ويرغبون جميعا في العيش بسلام؟ وما المانع في الاقتداء بمثل هذه القيم، والسعي إلى نشرها في مجتمعاتنا وتلقينها لأطفالنا؟ فالحياة صعبة بما فيه الكفاية، ولو غلفناها بغطاء ناعم من القيم النبيلة والمشاعر الإنسانية، فإن العلاقات الاجتماعية ستكون أكثر قوة ومتانة، وتصبح الأرض مكانا يتسع للجميع.

ومن وجهة نظري، أعتقد أن مجتمعاتنا العربية ستكون في أفضل حال إذا ما خرج الناس من تحت مظلة الطائفية، ووقفوا تحت راية السلام. آمل ألا أكون متفائلة أكثر مما ينبغي.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

:: اختيارات المحرر