الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

بناتنا وأبناؤنا جميعا

التقنيات الحديثة غيّرت أشياء كثيرة ولكنها لم تغير حقيقة أننا كائنات اجتماعية، بل تثبت باستمرار أننا كنا ومازلنا كذلك، نحب أن نكون معا، وأن نجتمع ونتعاون.

العرب إياد بركات [نُشر في 2017/01/12، العدد: 10510، ص(24)]

يرى أغلب رجال الأعمال والعاملون في القطاع الحكومي، الإنترنت كشبكة من القنوات التي تقدم لهم خدمة المراسلة وبيع المنتجات، في حين أن السبب الرئيسي لنجاح الإنترنت وإقبال الناس عليها وحبهم لها، هو أنها بنيت على أسس المشاركة والاجتماع.

التقنيات الحديثة غيّرت أشياء كثيرة ولكنها لم تغير حقيقة أننا كائنات اجتماعية، بل تثبت باستمرار أننا كنا ومازلنا كذلك، نحب أن نكون معا، وأن نجتمع ونتعاون، وأننا كبشر خاصيتنا الأساسية هي طبيعتنا الاجتماعية. نحن وُجدنا مبرمجين لنكون معا، وقد نزيح الجبال من أجل أن نظل معا. فقط تتغير الأشكال التقليدية للمجتمع، ولكن تبقى غريزتنا ونزعتنا الاجتماعية هما الأساس.

الإنترنت كشفت وأثبتت ذلك، ولكنها أيضا كشفت نزعات أخرى غير طبيعية ومنافية لغرائزنا، وإن بدت قوية بعنفها وقسوتها، قوى ظلامية تعمل باستمرار على تفتيت المجتمعات والتفريق بين الناس وتكبيلهم في كانتونات معزولة. قوى لا ترى في أي اجتماع إلا شبهة مفسدة يجب سحقها بالدم والنار.

في رأس السنة الماضية توحدت البشرية في العالم للاحتفال بنهاية العام، والترحيب بعام جديد. في بريطانيا مثلا احتفل ما يقارب 40 مليون شخص على طريقتهم الخاصة، بالبقاء في البيوت وقضاء تلك الليلة مع الأسرة والأصدقاء، ومشاركة العالم عبر متابعة الاحتفالات من خلال التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي.

مئات الآلاف من الناس احتشدوا في مراكز المدن والساحات العامة لمشاهدة الألعاب النارية، وآخرون اجتمعوا في المقاهي والمطاعم والبارات.

تعددت الوسائل والطرق، ولكن كان الهدف العام واحدا، ذلك الإحساس بالمشاركة والاجتماع، وأن الفرد هو جزء من مجموعة كبيرة تغطي الأرض. إحساس جميل أن البشر يتركون كل ما يفرقهم ويميّزهم من أجل فكرة بسيطة وبريئة، نهاية عام وبداية عام آخر.

في إسطنبول، كغيرها من المدن العالمية الكبرى، تجمع الناس من مختلف الجنسيات ليشاركوا بعضهم بعضا، تجمعوا لكي يعيشوا تلك اللحظات الجميلة من مشاعر المشاركة والاجتماع. في تلك الأثناء وعلى غفلة من العالم، دخل أحد المجرمين مطعما شهيرا بمنطقة “أورطه كوي” في مدينة إسطنبول خلال الساعات الأولى من صباح الأحد، وأطلق النار بوحشية على الأبرياء وتمكن من قتل 39 شخصا وإصابة 65 آخرين.

أناس من مختلف بلدان العالم، ومن مختلف الأعمار والألوان، لا يعرفون بعضهم بعضا سقطوا ضحايا قوى حتى الآن مازالت مجهولة، خرّبت عليهم احتفالاتهم واجتماعهم وزرعت آلاما لن تفارق الذين بقوا على قيد الحياة أبدا.

في الساعات الأولى بعد الحادث، عجت مواقع التواصل بأصوات عربية تطعن في الضحايا بل وتشمت فيهم لأنهم وجدوا في مكان اعتبرته تلك الأصوات النشاز مخالفا للعادات والتقاليد والدين، كانت تشوّه الواقع وتشكك في نوايا الناس، تنكر عليهم طبيعتهم. لم يطل الوقت حتى غطت أصوات العقل والوعي على تلك الأصوات المزعجة، سمت الأشياء بمسمياتها الحقيقية، أصوات جميلة تبنت الضحايا كلهم واعتبرتهم بناتنا وأبناءنا جميعا.

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر