الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

المدارس الخاصة المجانية في لبنان.. هدر للأموال وتراجع في جودة التعليم

الفساد في قطاع المدارس الخاصة المجانية بلغ حدّ تسجيل طلاب وهميين سعيا لرفع قيمة الدعم الرسمي.

العرب شادي علاء الدين [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(17)]

هل حلت مشكلة تعليم أبناء الأرياف

بيروت - تضمنت دراسة أصدرتها “الدولية للمعلومات” مؤخرا عن أوضاع المدارس الخاصة المجانية في لبنان سلسلة من المعلومات والأرقام والإحصائيات الصادمة؛ فقد كشفت الدراسة أن عدد المدارس الخاصة المجانية في لبنان يبلغ 371 مدرسة منها 87 مدرسة في بيروت وضواحيها، و95 مدرسة في البقاع، و82 مدرسة في الشمال، و33 مدرسة في الجنوب، و39 مدرسة في النبطية، و35 مدرسة في جبل لبنان.

ولاحظت الدراسة أن موازنة الدولة اللبنانية تخصص مبلغ 115 مليارا لدعم هذا النوع من المدارس، ويمكن أن يرتفع المبلغ إلى حدود 140 مليار ليرة. وتدفع الدولة اللبنانية مبلغ 800 ألف ليرة لبنانية عن كل طالب يسجل في المدرسة الخاصة المجانية.

وتؤكد تقارير المفتشين التربويين أن المستوى العام لهذه المدارس ضعيف، ويعود السبب إلى نسبة توزيع عدد الأساتذة على عدد الطلاب، مقارنة بالمدارس الرسمية أو المدارس الخاصة غير المجانية.

وتبلغ هذه النسبة 20 طالبا لكل أستاذ في حين أنها في المدارس الرسمية تبلغ سبعة تلاميذ لكل أستاذ، وتبلغ 11 طالبا لكل أستاذ في المدارس الخاصة غير المجانية. ويشكل طلاب المدارس الخاصة المجانية حوالي 7.13 بالمئة من عدد الطلاب في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي.

وتكمن المشكلة في أن المستوى العام لهذه المدارس لا يرقى إلى الحدود المطلوبة لتأمين انخراط الطلاب الناجح في البنية التعليمية ما قبل الجامعية، فهي تقتصر على التعليم الأساسي الذي يعـد الطالب للمراحل اللاحقة.

ويؤدي ضعف مستوى التعليم في هذه المرحلة إلى عرقلة اندماج الطلاب في المراحل اللاحقة، وعدم قدرتهم على التكيف مع مناهج التعليم سواء تابعوا تعليمهم في المدارس الرسمية أو في المدارس الخاصة.

ولعل المشكلة الكبرى التي يثيرها هذا الموضوع ترتبط بكون الدولة تصرف على التعليم الرسمي وتموّل في الوقت نفسه التعليم الخاص المجاني، في حين أن استثمار الأموال في دعم قطاع التعليم الرسمي، يمكنه أن يساهم إلى حد كبير في تحسين نوعيته، خصوصا وأنه يعاني من مشكلة في المرحلة التي يغطيها التعليم الخاص المجاني.

ولم تنجح محاولات الدولة في التشبيك مع القطاع الخاص في حل مشكلات التعليم بشكل عام، ومشكلة التعليم في المناطق الريفية بشكل خاص لأن آليات عمل القطاعين الرسمي والخاص مختلفة تماما.

يضاف إلى ذلك أن إخلال الدولة بالتزاماتها تجاه المدارس الخاصة المجانية، وعدم دفع مستحقاتها منذ أربع سنوات، ساهما في زيادة الخلل في هذا القطاع وفي تحميل المدارس الخاصة المجانية مجموعة من الأعباء الإضافية.

تراكم الفساد وسوء معالجة ملف التعليم الخاص المجاني جعلا منه عنوانا لأزمة بدل أن يكون مفتاحا لحل المشاكل

وكانت فكرة التعليم الخاص المجاني قد برزت في خمسينات القرن الماضي بهدف العمل على حل مشكلة التعليم في الأرياف، وتحسين جودة التعليم فيها، ومنح الفرصة للعائلات الفقيرة لتعليم أولادها، حيث يضعف حضور المدرسة الرسمية وقدرتها على استيعاب عدد كبير من التلاميذ.

وتراكمت منذ تلك الفترة سلسلة من المشاكل والمعوقات التي حالت دون النجاح في تحقيق هذا الهدف. ولم تواكب الدولة مشروع التعليم بمشاريع إنمائية موازية تسمح بوصوله إلى خواتيمه المرجوة، فبقيت ظروف العيش والانتقال في المناطق الريفية صعبة للغاية، ولم يتم العمل على تحسينها وتطويرها.

ويضطر الطلاب في المناطق الريفية إلى الانتقال من قرية إلى أخرى وسط ظروف مناخية قاسية، ويعبرون دروبا جبلية وعرة وصعبة فيصلون إلى المدارس في حالة من الإنهاك الشديد، حيث تكون طاقاتهم وقدراتهم على الفهم والاستيعاب في أضعف حالاتها.

وتجعل الظروف المناخية السيئة وعدم تأمين الدولة الموارد اللازمة لسرعة فتح الطرقات التي تسدها الثلوج شتاء الدراسة غير منتظمة، ويعاني التلاميذ من فترات انقطاع طويلة. فتصبح الحصيلة الدراسية التي يتلقاها الطالب في العام الدراسي ضئيلة للغاية وغير كافية، ولا تمكنه من الانتقال إلى صف دراسي أعلى بيسر وسهولة.

وتشير خارطة انتشار المدارس الرسمية والخاصة في البلد إلى ضعف عام في وجود كل أنواع المدارس في المناطق الريفية، ما يضيق الخيارات كثيرا أمام العائلات الراغبة في تعليم أولادها بحيث تكون المدرسة الخاصة المجانية أبرز الخيارات المطروحة، وهو ما يتسبب في إجبار هذه المدارس على استقبال عدد من الطلاب يفوق قدرتها، ما يساهم في تردي المستوى التعليمي أكثر فأكثر.

إن تكاثر السلبيات المرتبطة بالتعليم الخاص المجاني وسوء إدارة الدولة لهذا الملف يراكمان مع كل عام جديد عددا أكبر من الطلاب العاجزين عن العبور بيسر إلى المراحل اللاحقة. هؤلاء قد يمثلون في المرحلة القادمة مشكلة كبيرة لأن عملية إعادة تأهيلهم تتطلب إمكانيات غير متوفرة، ومنطقا مختلفا في مقاربة الأمور، لا يبدو أن الدولة قادرة أو راغبة في العمل عليه حاليا.

وينتج عن هذا الواقع ارتفاع احتمالات التوقف التام عن الدراسة في صفوف الطلاب الذين يعيشون في المناطق الريفية ولجوئهم إلى مزاولة أعمال لا تتناسب مع مرحلتهم العمرية، ما يجعل من العجز عن حل مشكلة التعليم مدخلا لتفاقم أزمة في مجال آخر بدأت تنتشر بقوة في لبنان، وهي أزمة عمالة الأطفال.

ويمكن القول في نهاية المطاف إن تراكم الهدر والفساد وسوء معالجة ملف التعليم الخاص المجاني جعلا منه عنوانا لأزمة بدل أن يكون مفتاحا لحل المشاكل.

وتريد الدولة من خلاله التنصل من مسؤولياتها الإنمائية والتغطية على عجزها عن إقامة مشروع إنماء متوازن يطال المناطق كافة، ما حوّل الإنفاق على المدارس الخاصة المجانية، في ظل الظروف السيئة التي تعاني منها تلك المناطق ومع رداءة المستوى الذي تقدمه تلك المدارس، إلى هدر للأموال والموارد.

كذلك فإن القطاع الخاص الذي يدير المدارس المجانية وجد فيها فرصة لزيادة الربح فاعتمد مقاربة تقيم فصلا تاما بين ما يقدمه من مستوى جيد في القسم الخاص غير المجاني وبين ما يقدم في القسم المجاني الذي ترعاه الدولة. فكانت الحصيلة العامة هي تحول هذا القطاع، وخصوصا مع تسجيل طلاب وهميين فيه بغية الحفاظ على حصة عالية من الدعم الرسمي، إلى مجموعة مؤسسات وهمية تقدم حلولا وهمية لمشكلة واقعية وحقيقية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر