السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

أيام الشارقة المسرحية تحتفي بإنسان المستقبل

  • تقام تظاهرة أيام الشارقة المسرحية سنوياً بحضور عدد من الفرق المسرحية العربية والإماراتية في ما يشبه العرس المسرحي، احتفاء بأبي الفنون، وعلاوة على تقديمها عددا من العروض كما هو حال هذه الدورة الـ27 التي تجري فعالياتها من 18 إلى 28 مارس الجاري، تقدم الأيام هذه السنة عددا من الندوات المهمة التي تطرح أسئلة المسرح والثقافة والإنسان العربي المثيرة على دوائر النقاش في بيئة من التفاعل الخلاّق.

العرب حاتم التليلي محمودي [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(1)]

الفن المسرحي عنوان البهاء الإنساني

حين تخيّم ثقافات الموت، وتسود العالم نزعة الاغتراب، وتنحرف القيم إلى الهاوية، بما يجعل من حياتنا إضرابا محضا، تولد فينا –نحن كمسرحيين- الأسئلة المستحيلة، تلك التي يتوجّب عليها التشكيك في السائد من تمعيننا للأشياء، تلك التي تبحث لها في بواطننا عن جوهرنا الأنطولوجي ووظيفتنا الحارقة والملحّة، لذلك نحن الآن معنيون بالفنّ، وبشكل ملحّ، إذ هو آخر ما تبقّى من قلاع الإنسانية فينا، لكن كيف يمكن تحديد منعطف فنّي جديد، هو في حقيقة الأمر يجد إقامته في حقول دورة مسرحية يواكبها المسرحيون في كلّ سنة؟ وهل يمكننا التحدّث بعد أزمات الفنّ الراهنة عن رهان مسرحيّ يقوّض السائد من اشتغاله ويراجع ذاته على الدوام؟

وإذا كنا نتفق على أن راهننا الحالي، عربيا وعالميا، لا تسوده غير ثقافة السوق التجارية، حيث ليس ثمّة غير “بهملة” الإنسان و”حيونته”، ثم الزجّ به في أتون من القيم اللاإنسانية، هل ثمّة نجاعة ما للمسرح كي يخلّصنا من ذلك؟ أليس هو الآخر مدعوّا إلى تقويض تلك الأورام التي أصابته؟

من المحلي إلى العربي

يبدو أن الدورة الـ27 من أيام الشارقة المسرحية، التي شهدت افتتاحها يوم 18 مارس من هذه السنة، ستدفعنا إلى القول بأنّ مسرحييها على وعي تامّ بالأسئلة المذكورة سلفا، إذ أنها لا تمثّل فعلا مسرحيا احتفاليا فحسب، بقدر ما تعيد طرح الإشكاليات المستحيلة في خرائط المسرح ذاته، وهذا ما نجد له صدى أوّل من حيث برنامج المهرجان، بما يتضمنه من فعاليات وأنشطة مختلفة ومتنوعة وثريّة، قد تتسنّى لها إمكانية سحق ودحض جلّ أسئلتنا بتوفير إجابات شافية، وربما التتويج بإعادة كينونة الفعل المسرحي بما هو رسالة إنسانية خالصة النقاء.

ثمّة حوالي 13 عرضا مسرحيا تشهدها هذه الدورة بما في ذلك عرض الافتتاح “خريف” لصاحبته أسماء الهوري ومن إنتاج فرقة أنفاس المغربية، وهو الذي فاز بجائزة “الشيخ سلطان بن محمد القاسمي” لأفضل عمل مسرحي عربيّ في مهرجان المسرح العربي الأخير، والذي دارت فعالياته في الجزائر.

ما يلفت الانتباه حول باقي العروض هو كونها جميعها إماراتية، ما يجعلنا نذهب إلى تأويل ذلك بوصفه نشاطا مسرحيا وفعلا إبداعيّا محلّيا أكثر منه عربيا أو دوليّا، وإن كان يثير جملة من الأسئلة حول خياراته تلك، فإنّه يعكس أيضا نقلة نوعية من خلالها تكون التجربة الإماراتية إزاء فعل نقديّ تجاه خصوصيتها، ما يفتح في خرائطها حسّا حواريّا يراكم لها من الداخل، حتى يتسنى لنا نحت كينونة خاصّة وهويّة تصبغها بطابع خاصّ، ومن ثمّة تكتسب نجاعة مهمّة في تناسجها وتعالقها مع تجارب في بلدان أخرى في المستقبل.

في المقابل، يستضيف المهرجان حوالي 150 ضيفا من بلدان عربية مختلفة، كما يستحضر مجموعة من المبدعين من خلال برنامج أطلقت عليه تسمية “ليلة الوفاء”، وهبوا للفنّ المسرحي غير القليل من الإبداع، وهم المنصف السويسي من تونس، وعبدالله كتّاب من الإمارات، وفؤاد الشطّي من الكويت، ونهاد صليحة من مصر، بينما يكرّم المبدع الإماراتي حميد سمبيج بوصفه شخصية المهرجان، في حين يتوّج الفنّان الكويتي إبراهيم الصلال بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي في دورتها الحادية عشرة، على أن تتسلم أسماء الهوري مخرجة العرض المغربي “خريف” جائزة أفضل عمل مسرحي عربي لسنة 2017.

هذه الدورة تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مضمونها، خاصة بعد إثراء برنامجها بفقرات نظرية وعلمية وأكاديمية

بالإضافة إلى ذلك تشهد معظم العروض المبرمجة نقاشا مفتوحا، ما يثري طرحها الفكري والجمالي ويضعها إزاء قراءة تفاعلية وتشاركية مع جمهورها، خاصة وأن فيها من هي مبرمجة للمسابقة التي يمثل كل من جمال سالم ومحمد العوني وعصام بوخالد وعصام اليوسفي وعبدالله يوسف أعضاء لجنة تحكيمها.

نقلة نوعية

كما يثري المهرجان برمجته بجملة من الأنشطة والفعاليات المتنوعة والمختلفة، وقد بلغ عددها ما يقارب الثلاثين، ومن بينها “ندوة المسرح والقيم” -حيث ثمّة محور أوّل عنوانه “أبو الفنون والقيم: أيّة علاقة؟”- يؤثثها كلّ من أحمد أمل ومحمد مومن ومفلح العدوان وعبدالإله عبدالقادر، بينما يديرها ويقدّمها محمّد يوسف، في حين أن المحور الثاني الذي حمل عنوان “المسرح والقيم: بين الشرق والغرب” يؤثثه كل من حاتم التليلي ومحمود نسيم وكمال فهمي بينما يقدمه ويديره الدكتور حميد علاوي.

على صعيد آخر، ينظم المهرجان ملتقى الشارقة السادس لأوائل المسرح العربي، وستتمّ من خلاله معالجة مسائل مهمّة جدا كالتمثيل المسرحي وتقنيتي الحوار والحوار الذاتي مع عصام السيّد، و”جماليات إخراجية جديدة في المسرح العربي” مع أحمد أمل، و”تجربتي في المسرح الاحتفالي” مع عبدالكريم برشيد، و”معنى النقد المسرحي” مع محمد المديوني، ويختتم هذا الملتقى بندوة تحمل عنوان “كيف يرى جيل الشباب راهن مسرح بلدانهم”.

في المقابل، تشهد فقرة المراجعات ندوة علمية يديرها المغربي محمد بهجاجي ويشارك فيها كلّ من محمد المديوني وعبيدو باشا وعزالدين بونيت، وقد تضمنت إشكالية متعلقة بهموم التأريخ للمسرح العربي، وحملت عنوان “مؤرّخو المسرح العربي: أيّ دور وأيّ تأثير؟”.

وعلى غرار ذلك تشهد فقرة التربية والتعليم محاورة ومساءلة للراهن الجامعيّ من حيث تسليطها الضوء على “مناهج معاهد وكليات المسرح العربيّ”، سواء من حيث نقدها أو تثمينها، ويشارك فيها راشد عيسى من فلسطين وإبراهيم نوال من الجزائر، وحسن عطية من مصر وعصام اليوسفي من المغرب.

أما فقرة “مرآة الفنّ”، فستديرها المغربية وسيلة صابحي ويشارك فيها مرعي الحليان من الإمارات وعبدالله السعداوي من البحرين، وتنضوي تحت عنوان “التمثيل المسرحي: صورة الذات وقناع الشخصية”.

ومن الفقرات الأخرى التي لا يمكن تجاهلها، فقرة الإبداع والوجدان بعنوان “مسرحة قصص الحب بين الأمس واليوم”، التي ستديرها نجيبة الرفاعي، ويشارك فيها حسن اليوسفي وأنعام سعود وهيثم الخواجة، في حين يدير سامي الجمعان ندوة أخرى متعلّقة بإشكالية مغايرة لكنّها مهمّة جدا، وهي “المسرح والالتزام”، وموسومة بـ”رؤية المخرج بين الثابت والمتحوّل؟”، ويشارك فيها حيدر منعثر وكاظم نصار وعصام أبوخالد.

يبدو لنا جليّا وواضحا أن هذه الدورة تهدف إلى إحداث نقلة نوعيّة في مضمونها، خاصة بعد ثراء برنامجها بفقرات نظريّة وعلمية وأكاديمية، ما يجعل متابعيها، من مسرحيين وإعلاميين ومثقفين، ينتظرون منها لا تحقيق النجاح فحسب، وإنّما إمكانية تقديمها تصورات وبرامج مسرحية مستقبلية تراكم للدورات اللاحقة، ما يجعل من الفنّ المسرحيّ عنوان البهاء الإنسانيّ وحجّتنا الأنطولوجية في الدفاع عن قيم الحياة، بوصفه رسالة مقدّسة، ودمًا يسري في عروق مجتمعاتنا التي تهدّد أوصالها أورام التطرّف والتعصّب والاغتراب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر