|
أرشيف العرب الاتصال بنا ---------------
كلمة العرب
اخبار عربية اخبار دولية دراسات افكارواراء تحقيقات اقتصاد ثقافة دنيا الفن بانوراما تكنولوجيا علوم اسرة اسلاميات هايد بارك رياضة سياحة ---------------
English
|
|
6-6-2010 12:53:55
![]() |
|
إن فكرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المتمثلة في مشروع الاتحاد من أجل المتوسط تواجه الآن عدة مشكلات جدية رغم أنها تبدو من حيث الشكل قابلة لأن تتحول إلى حقيقة. إذا كان الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول قد نجح في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة بزعامة فرنسا، فإن بناء اتحاد متوسطي ليس مهمة سهلة بسبب عدة عوامل ذات طبيعة تاريخية، واستعمارية، واختلافات ثقافية، فضلا عن غياب التوازن بين الضفة المتوسطية الشمالية وبين الضفة المتوسطية الجنوبية. فالسوق الأوروبية المشتركة، من حيث الجوهر، لم تؤسس لغايات اقتصادية محضة، بل إن الهدف الأساسي منها هو تجاوز آثار الحرب العالمية الثانية التي عانت منها فرنسا بشكل خاص حيث أنها تعرضت خلالها للاحتلال النازي الالماني. ومن حيث الجوهر أيضا فإن الغاية من إنشاء السوق الأوروبية المشتركة كمرحلة أولى هي إذابة شكل ومضمون انعزالية الدولة– الأمة في القارة الأوروبية، وخاصة الجزء الغربي منها باعتبارها سبب الحروب والتصدعات السياسية. وهكذا فإن تطور هذه السوق الأوروبية المشتركة فيما بعد إلى إتحاد أوروبي يمثل حلقة مركزية في الوعي الأوروبي الغربي، وإدراكا لأخطار التمركز حول الدولة– الأمة وما تفرزه من شوفينية وطنية، وتعصب سياسي، وطموحات فردية ذات نزعة استعلائية وصراعية. ولكن الخصوصيات المختلفة جدا لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الوضع الدولي الراهن كلها عوامل توضح كل الوضوح مدى الاختلاف الجوهري بين فكرة ديغول وبين فكرة ساركوزي على المستوى النظري، وعلى المستوى العملي الميداني. هذا إضافة إلى حشر نيكولا ساركوزي لإسرائيل ضمن المشروع المتوسطي علما أن الدولة العبرية ليست كيانا شرعيا، بل هي ظاهرة استعمارية وعنصرية مرفوضة من الدول المكونة للضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط بما في ذلك تركيا. إن كلا من لبنان، وسوريا، وليبيا، وتونس، والجزائر لا تعترف مجتمعة بالكيان الاسرائيلي جهرا، وجراء ذلك فإنه من المستحيل أن تقبل هذه الدول بأية وحدة مع هذا الكيان حتى وإن كان في شكل الاتحاد من أجل المتوسط. وبناء على ما سبق فإن أطروحة، أو لنقل فكرة المشروع المتوسطي لا تستطيع أن تتجسد في الواقع في ظل التباينات والمشكلات المشار إليها. ومن هنا فإنه ينبغي القول بأن الشراكة الدولية تفترض وجود دول معترف بها ولا تعمل بالمنطق الاستعماري. وفي هذا الاطار فإن الدولة العبرية غير مؤهلة لأن تكون في الإتحاد المتوسطي على أساس حجة قانونية، وهي أنها دولة ليست لها حدود نهائية مرسمة في الأمم المتحدة تمنح لها مشروعية سيادية أسوة بجميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط الأخرى. ومن ثم فإن فلسطين جزء لا يتجزأ من الفضاء المتوسطي، ورغم ذلك فإن اسرائيل ترفض أن تعترف بها كدولة سيادية ولها الحق في أن تكون ضمن عائلة المشروع المتوسطي الذي يتبناه نيكولا ساركوزي ويدعو إلى تثبيته، وتحويله من فكرة مفترضة إلى واقع له شخصيته الاعتبارية. إنه من غير المعقول أيضا أن توافق سوريا، وأن يقبل لبنان باسرائيل كعضو رسمي وفاعل وكشريك ينسق معه في ظل احتلال الجيش العبري لمرتفعات الجولان، ولمزارع شبعا. وبالنظر إلى هذه الوقائع فإن المشروع المتوسطي للرئيس ساركوزي هو مجرد تصور فضفاض وخيالي أقرب إلى أضغاث الأحلام. في مفهوم صيغة الاتحاد إن دراسة تفاصيل مشروع ساركوزي لإقامة إتحاد من أجل المتوسط لا تبرز أي أفق حقيقي يفضي إلى تشكيل الوحدة بين الضفة الشمالية، والضفة الجنوبية. إن مفهوم الاتحاد كماهو في التجارب الناجحة يعني تجاوز واقع الدولة الوطنية، وإحلال محله نموذج بديل تجد فيه الدول المعنية نفسها في إتحاد توافقي تحقق كل واحدة منها وجودها في فضائه كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي مثلا. ولكن تحقق هذه الصيغة غير مطروح في مشروع ساركوزي على صعيد التصور أو على صعيد تنفيذ هذا التصور في الواقع الملموس. ونظرا لما تقدم فإن فكرة ساركوزي تتميز بأنها براغماتية على أساسين اثنين وهما: 1- إعطاء شرعية متوسطية لإسرائيل دون أن يتزامن ذلك مع مطالبتها بالاعتراف بجرائمها أولا، وبإجلاء قواتها العسكرية وإنهاء احتلال الجولان، ومزارع شبعا، والاعلان رسميا عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفقا لقرارات مجلس الأمن بما يتطابق بوضوح مع مبدأ الشرعية الدولية ثانيا. 2- إن ساركوزي يطمح إلى استخدام ورقة الاتحاد من أجل المتوسط كآلية لفرض هيمنة فرنسا على الضفة الجنوبية المتوسطية، وتحويل تلك الهيمنة إلى قوة ضغط فرنسية في المحافل الدولية، وخاصة داخل حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ومما لاشك فيه أن المشروع المضمر للرئيس نيكولا ساركوزي هو شيء آخر لا علاقة له بالمرة بخلق فضاء متوسطي ككيان قطبي دولي تشارك في بنائه وتفعيله الضفة المتوسطية الجنوبية من أجل تحقيق مشاريعها الحيوية في الساحة الدولية، وتنجز من خلاله وبواسطته القفزة النوعية في ميادين الاقتصاد، والتكنولوجيا، والثقافة والتعليم، والأمن، والصناعة وغيرها من أسس التحديث والعصرنة المتطورين في العصر الحديث.. ويلاحظ بأن مشروع نيكولا ساركوزي لا يتضمن إنشاء مجلس وزاري يضم دول أوروبا المتوسطية، ودول جنوب ضفة المتوسط يكون بمثابة حكومة مشتركة. كما أنه لا يتضمن تشكيل قوة أمنية وعسكرية متوسطية على غرار حلف الأطلسي تكون ملزمة قانونيا بالدفاع المشترك عن سيادات الدول الأعضاء في الاتحاد من أجل المتوسط. ومن البديهي أن يعني خلو مشروع ساركوزي من هذه الأساسيات الجوهرية أن الاتحاد من أجل المتوسط هو مجرد هيكل عظمي فارغ من الحياة تماما. وفي هذا السياق فإن الغريب في الأمر هو اكتفاء ساركوزي بطرح المشروع على القيادات السياسية الحاكمة في الدول المتوسطية مما يجعله غير ديمقراطي ودون قواعد شعبية. وبذلك فإن نيكولا ساركوزي ينفخ الريح مجددا لإحياء الحكم الديكتاتوري في حوض المتوسط وهو أمر يتناقض كلية مع مبدأ المشاريع الوحدوية الحديثة "الاتحاد الأوروبي نموذجا" التي تعتمد اعتمادا مطلقا على المشاركات الشعبية سواء في انتخاب قيادات الاتحاد المفترض أو في تقرير مصيرها بنفسها وكذلك سياساته، وإدارة شؤونه. وبهذا الخصوص فإن الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال ليست له صلاحية فرض العملة الموحدة دون الموافقة الشعبية لهذه الدولة أو تلك. دروس من الماضي كيف يمكن القفز هكذا ودون توفير أرضيات صلبة إلى تشكيل إتحاد متوسطي كقطب له أبعاد إقليمية ودولية؟ وهنا ينبغي توضيح مجموعة من المسائل المركزية لكي ندرك تهافت مشروع ساركوزي الذي يتميز بالارتجال، وبالرومانسية الحالمة، أو المتوهمة. هناك مسألتان تحتاجان إلى الدراسة المتأنية والموضوعية. الأولى تتمثل في التمهيد لبناء اتحاد متوسطي قابل للحياة والنمو ثم التطور ألا وهي تصفية آثار التركة الاستعمارية الكلاسيكية. فرنسا لم تعترف حتى الآن بجرائمها الاستعمارية في شمال افريقيا، بل إنها ترفض رفضا قاطعا الجلوس إلى طاولة الحوار بهذا الشأن. ويمثل هذا الموقف الفرنسي غير الطبيعي، وغير العقلاني عقبة أمام بناء مشروع الثقة مع الشعوب المتوسطية الجنوبية كخطوة أولى في الطريق الصحيح نحو بلورة ثقافة المصالحة. وفي هذا السياق بالذات فإن اسبانيا لا تزال تتمسك باحتلالها للأراضي المغربية "سبتة ومليلية وجزيرة ليلى". فكيف يمكن لدولتين واحدة مستعمرة، وأخرى مستعمَرة أن تتحدا في فضاء الاتحاد المتوسطي وهما في هذا الوضع المخالف لمبدأ السيادة، والمتناقض مع أبجديات التحالف بكل أشكاله ومع أخلاقيات الصداقة بين الجيران. أما المسألة الثانية تتلخص في عدم جدية دول أوروبا المتوسطية لتنفيذ إلتزامات الشراكة كما هو الأمر في مجموعة 5+5 التي لم تنجز أي مشروع تكاملي حقيقي وملموس على أصعدة الاقتصاد، والاستثمار البيني، والأمن، والبنيات الفوقية المختلفة. إن مجموعة 5+5 قد فشلت فشلا ذريعا، وتقدم نموذجا سلبيا للعلاقات بين الضفة الشمالية وبين الضفة الجنوبية بالفضاء المتوسطي. بالإضافة إلى ذلك فإن ما يسمى بمشروع برشلونة لعام 1995م ليس إلا وصفة دون دواء حيث أنه بقي مجرد كلام دون أفعال. إن هذين النموذجين الفاشلين بسبب عدم الجدية، ولغياب الصدق السياسي يلعبان أدوارا مادية ورمزية في عدم بناء أسس التكامل بين الضفتين كتمهيد للانتقال تدريجيا إلى مشروع كبير واستراتيجي مثل تأسيس إتحاد حقيقي في حوض البحر الأبيض المتوسط. إن مثل هذا التأسيس لا تقوم له قائمة دون تغيير الذهنيات الموروثة عن العهد الكولونيالي، ودون الشروع أولا في الإعداد النفسي، والثقافي، والإعلامي بمشاركة المجتمعات المدنية. إن هذه الشروط الضرورية مشروطة أيضا بخلق بدايات أولية جادة وتوافقية في مجالات توحيد القوانين، وتأسيس المنظورات الديمقراطية للعمل المشترك في الساحة الدولية، وعلى مستوى العلاقات البينية أيضا. بطبيعة الحال، هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية في التمهيد لبناء التكامل والشراكة كمقدمات ضرورية للانتقال تدريجيا إلى وضع التصورات في إطار النقاش الشعبي الشمالي والجنوبي من أجل توضيح فكرة الاتحاد المتوسطي، وإنضاج أركانها المختلفة فكريا وسياسيا ومؤسساتيّا، وأخلاقيا مما سيسمح بتحويل هذه الفكرة إلى مبادئ، وأفعال، وجسور تصل بين شعوب أوروبا المتوسطية وبين شعوب ضفة جنوب البحر المتوسط. Alarab Online. © All rights reserved.
|


|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|